ابن قتيبة الدينوري

91

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ذكر ما أفاء اللَّه عليهم قال : وذكروا عن الليث بن سعد [ ( 1 ) ] أن موسى لما دخل الأندلس ، ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها ، فتلفت الأوتاد فلم تلج [ ( 2 ) ] فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام . قال : وذكروا أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالأندلس ، وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب والفضة والجوهر والياقوت ، فلما أثقلتهما أنزلاها ، ثم حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين ، فأخذا نصفا وتركا الآخر . قال : فلقد رأيت الناس يمرّون يمينا وشمالا ، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها وأرفع . قال : وأقبل رجل إلى موسى فقال : ابعث معي أدلكم على كنز ، فبعث معه موسى رجالا . فقال الّذي دلهم : انزعوا هاهنا ، فنزعوا ، فسال عليهم من الزبرجد والياقوت ما لم يروا مثله قطّ ، فلما رأوه بهتوا وقالوا : لا يصدقنا موسى ، أرسلوا إليه . فأرسلوا حتى جاء ونظر . قال : وكانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب والفضة المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد . قال : وكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها ، ويأخذا منها ما أمكنهما ، اشتغالا بغير ذلك مما هو أنفس منه . قال الليث : وبلغني أن رجلا غلّ في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله في مزفّت [ ( 3 ) ] بين كتفيه وصدره ، فحضره الموت ، فجعل يصيح : المزفت المزفت . وحدثنا ابن أبي ليلى التّجيبي ، عن حميد ، عن أبيه أنه قال : لقد كانت الدابة تطلع في بعض غزوات موسى ، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة . قال : وكتب موسى حين افتتح الأندلس إلى أمير المؤمنين : إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين ، ولكنه الحشر [ ( 4 ) ] . وأخبرني عن عبد الحميد بن

--> [ ( 1 ) ] انظر ابن عبد الحكم ص 281 . [ ( 2 ) ] أي لم تدخل في الأرض . [ ( 3 ) ] المزفت : حقّ أو نحوه ، مغلف بالزفت ومنظره لا يوحي بأهمّيّته ، وقد حمله حتى لا ينظر إليه أحد . [ ( 4 ) ] في وفيات الأعيان : انها الجنة .